لابد للمؤمن أن يطهر باطنه

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله, والحمد لله, والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: لا بد للمؤمن أن يكون قلبه مبيضّاً, وأن يطهِّر باطنه عما سوى الحقِّ جلَّ وعلا, ويصفِّي باطنه عما سوى الحقِّ جلَّ وعلا, من الأمور المنصبغة بصبغة الأكوان. من لم يكن هكذا, ولم يطهِّر باطنه, ويقول: إني مُنتمٍ إلى هذا الطريق الفلاني والشيخ الفلاني, ويكتفي بهذا الاسم والمنسوب, ولا يشتغل بتطهير قلبه عما سوى الحقِّ جلَّ وعلا….. لا بدَّ أن لا نضيِّع أوقاتنا ولا نُخدع بما تصبغ نفوسنا الأمَّارة على قلوبنا, هذا خداع, لأن الله تعالى قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً} [سورة البقرة: 138], لأن القلب كالعين, إذا وقعت الغبرة في العين نشتغل بها حتى نزيل الغبار من عيننا, والقلب بمناسبة العين بل أقوى وأهم, لأنه محلُّ نظر الله تعالى, ولذا جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) [أخرجه مسلم]. ما دمنا نحن مؤمنين ـ الحمد لله ـ, ونؤمن بالحشر الجسماني بعد الموت, ونحاسب على ما أعطانا ربُّنا من الشريعة والسنة النبوية, مع عقلنا, علينا أن لا نخرِّب آخرتنا بمتعلَّقات الدنيا وما فيها, حتى نكون محرومين من فضله جلَّ وعلا في الدنيا. لو تقول: هذا صعب, كيف صعب؟ لا نصدِّقك, الله جلَّ وعلا وضَّح لك طريق التطهير, بكثرة الذكر, وقراءة القرآن, واتباع واحد من المأذونين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن تتَّبعه وتتمسَّك بتوجيهاته, ولا تخالفه, وتسلِّم وتستسلم, وتنقاد لأوامره بدون اعتراض, إلا إذا صدر عنه شيء مخالف للشريعة, أن تتكلَّم معه بالأدب والاحترام, لحقوق الشرع الشريف, لا لأنانيَّتك وترفُّعك عليه, حتى يحصل لك التغمُّر في الطريق, ونتيجة هذا التغمُّر رضا الله جلَّ وعلا, يرضى عنك ربُّك بقطعك عن أمَّارتك الخبيثة, وابتعادك عنها. وهنا شِقَّان: إما أن تكون مع ربك بتوجيهات شيخك, وإما أن تكون مع نفسك بالادِّعاء والدعاوي الباطلة, حينذاك لا يحصل لك شيء إلا مجرَّد الدعوى بدون دليل. في هذه الدنيا لا بدَّ أن لا ننسى الحشر الجسماني والحساب مع الله تعالى, وإذا نُجرُّ ونُساق إلى الحساب هل يمكن لنا أن نقول: لا نُحاسَب؟ ـ أستعيذُ بالله ـ. قال الله تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 13ـ14]. يعني ليس من شأن العاقل أن يخرِّب آخرته في الدنيا ويتمسَّك بحبل الأنانية والطبيعة البشرية البهيمية, ويبعد عن خالقه جل وعلا, مع الفرصة والإمكان في الدنيا, وبعدما ننتقل من الدنيا تحصل الندامة, يعني هذا ليس شأن العقلاء؛ العاقل لا بدَّ أن يُحاسب قبل أن يُحاسَب, ويهيئ جوابه قبل أن يُسأل, لم فعلتُ هذا؟ ولم ما فعلتُ هذا؟ لأن العقل المنوَّر بالوحي الإلهي يتدارك آخرته قبل أن يخرج من الدنيا. وإن قلنا: كيف نفعل؟ نحن بشر! فالجواب: هذا القرآن نزل على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم للتبليغ, وليبلِّغ, وما أهمل عليه أفضل الصلاة والسلام, بل بلَّغ, أنت ترى في الدنيا أن الرياء يُحبِط العمل, والعصبية خارج الدين, والاعتراض على المسلمين ـ لا بطريق النصيحة بل بالترفُّع ـ خلاف الدين, عليك أن تَدارَك قبل أن تخرج, أما إذا كان ـ مثلاً ـ لك البنات, الأولاد, لا بدَّ أن تؤدِّي حقوقهم, لا تكن كالذين قال الله تعالى فيهم: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33], والتبرُّج الثاني فسوق المسلمين, لا يُخلصوك عن المسؤولية, كما أن الله تعالى جلَّ جلاله يُنزل الماء من السماء ويحيي به أموات الأراضي, كذلك برحمته جلَّ وعلا ـ من القرآن الكريم واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مع الشريعة ـ يحيي القلب المغطَّى بغطاء الدنيا, ويخرق حُجُبها. لا تظن بسوء ظنِّك أن المؤمنين كلَّهم مثلُك, علينا جميعاً أن لا نقيس أولياء الله تعالى والمؤمنين على أنفسنا, هذا قياس مع الفارق, هذه دعوى بدون دليل, لأن الله تعالى جلَّ وعلا مطَّلع على أسرار عباده, وإذا وجد بعلمه الشريف قلباً صاحبُه يطلب التطهير فهو يطهِّر ويعطي جلَّ وعلا, ولا يمنع من فضله على عباده شيئاً, لأن المؤمن ما دام فيه إيمان, فهذا الجوهر يقبل الفيوضات الإلهية, تحس أو لم تحس. نحن لسنا كالحيوان المشغوف بتوفير اللذات الجسمانية, والمشتهيات النفسية, لسنا هكذا, نحن إنسان بما عُلم به, وهو العقل والعلم, لا بد أن نتفكَّر في استقبالنا, كما قال ربُّنا جلَّ وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور * إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور} [فاطر: 28ـ29]. {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} ويخاف من بطشه {مِنْ عِبَادِهِ} الذين أبدعهم وأظهرهم وخلقهم من كتم العدم بإرادته وجوده, هكذا {الْعُلَمَاء} يعني العرفاء بالله تعالى وبأوصافه الكاملة الفائضة عليهم, وأسمائه الحسنى, المتحقِّقون بمرتبة التوحيد, إذ أخشى الناس من الله أعرفهم بشأنه, ولذا قال عليه أفضل الصلاة والسلام: >إني لأخشاكم لله وأتقاكم له< [رواه البخاري], وكيف لا يخشى العارفون منه سبحانه وتعالى؟ {إِنَّ اللَّهَ} جلَّ وعلا المتردِّي برداء العظمة والكبرياء {عَزِيزٌ} غالب على انتقام من أراد انتقامه من عباده, {غَفُور} ذنوبَ من تاب إلى الله ورجع نحوه عن ظهر القلب خالصاً بلا رياء ولا سُمعة. {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ} المفروضة في الأوقات المحفوظة المأمورة إياهم في كتاب الله جلَّ وعلا, {وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ} من الله تعالى بالأفعال المذكورة {تِجَارَةً لَّن تَبُور}, يعني: لن تهلك وتفسد وتفنى أصلاً. قال الله جل وعلا: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِين} [سبأ: 20]. لقد صدَّق عليهم إبليسُ ظنَّه الذي ظنَّ بهم, حين قال لأبيهم آدم عليه السلام ـ كما بيَّن ربُّنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم ـ: 1ـ {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 62]. 2ـ {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين} [الأعراف: 17]. 3ـ {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} [النساء: 119]. إلى غير ذلك. وبعدما أضلَّهم عن طريق الشكر والإيمان {فَاتَّبَعُوهُ} كفروا النعم والمُنعِم جميعاً ـ نعوذ بالله ـ {إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ المُؤْمِنِين} ـ الحمد لله, اللهم اجعلنا من المؤمنين ـ الموقنين بتوحيد الله المصدِّقين لرسله, المتذكِّرين لعداوته المستمرَّة, فانصرفوا عنه وعن إضلاله, فبقوا سالمين عن إضلاله. ولو كان هذا في حقِّ الكفار, ولكن هو عدوُّنا, كما قال الله تعالى عنه: {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً}, {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين}. لا بدَّ للمؤمن أن لا يغفل عن عداوته لبني آدم, وإذا وجد إبليسُ المؤمنَ أو المؤمنةَ بدون سلاح يوجِّههم إلى الإفساد. وإذا قيل: ما السلاح باتجاه عداوته؟ إنه التمسُّك بالشريعة والسنَّة النبوية عليه الصلاة والسلام, وأن يجعل الله وكيلاً له, وإذا جعل الله وكيلاً له يعتمد بقلبه على وكالته, ولا يغفل كذلك عن استعاذته بالله من الشيطان, الله جلَّ وعلا قال: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ} [الأعراف: 200]. وصلى الله على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم, والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.

أريـــد أن أســـأل

 إذا كان عندك تساؤل أو استفسار ما، بإمكانك إرساله من هنا، وسنقوم بعرضه على الشيخ مباشرةً وارسال الرد بأقرب وقت ممكن.

أرسل سؤالاً!

القــائمـــة البريديـــة

القائمة البريدية

لتبقى على اطلاع على آخر المستجدات اشترك بقائمتنا البريدية بتسجيل بريدك الإلكتروني

يمكنك إلغاء اشتراكك من خلال نشرتنا البريدية في بريدك الإلكتروني