تقييم الموضوع :
  • 1 أصوات - بمعدل 5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
وعند فقد الشيخ يأتي كمثله
#1
مصطفى نداف:
( وعند فقد الشيخ يأتي كمثله) :
لقد عشنا سنوات خضر في كنف سيدنا الشيخ عبد القادر رحمه تعالى نمتع أنظارنا برؤيته البهية، ونجلو قلوبنا بأنواره السنية..يكرمنا تعالى برؤيته والاجتماع به في كل يوم، وإن تعذر ذلك في بعض الأيام فلابد من طيف منه في منام..نعيش في نعمة لم نكن ندرك حقيقتها التي كان يشير رحمه تعالى إليها بقوله : اكسبوني فسيأتي يوم ولا تستطيعون..
وفعلاً أتى زمن فقدنا فيه شخصه فشاءت الأقدار أن يكون خارج الديار..وعندها كما يقال : ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، أو أصابت البوابة رؤوسنا فأحسسنا بما كان يقوله لنا واقعاً..أين تلك الأيام التي كنا نعيش فيها معه أغلب أوقاتنا يشد ويرفع فينا الهمم فتسهل علينا العبادات والمجاهدات .. أيام كنا فيها معه في نعيم وجنان، وخاصة أيام الاعتكاف وإحياء الليالي التي كنا نغادر فيها الجامع آخر الليل أو بعد الفجر إلى بيوتنا وكأننا نمشي دون أن تلامس أقدامنا الأرض، نمشي وكأننا نحمل أجساماً دون أوزان، كأننانسير في الهواء ما بين الأرض والسماء..
نعمة مافوقها نعمة..ولكن كما قلت فوجئنا ببعده عنا عندما أصبح خارج البلاد..ولكن شيئاً خير من لاشيء فقد بقيت لنا صلةمعه برسالة أو اتصال هاتفي أو زيارات تفصل مابينها الأيام..
لكنّ آثار المرشدين لاتنقطع فبقيت هناك مجالسه تذكر به ،ولكن ليس الظل كالشاخص..وبدأنا نفكر ياترى بعد عمره - الذي كنا ندعو له بطوله - من سيسد فراغه بعده..كنا ننظر مَن حولنا فنرى على الحقيقة أنه لو اجتمع كبار أهل الطريق - كما كان يقال - كلهم لايقومون بملء جزء من الفراغ بعده، وهل جمع الحصى يكوّن جبلاً ؟ !
ومرت الأيام وصعقنا بنبأ وفاته رحمه تعالى ، وعندها فقدنا قلوبنا ، وجمدت الدموع في عيوننا ، وذهب بنا التفكير في كل وادٍ ، هل ياترى سنرى من يقوم مقامه ؟
ومرت الأيام وإذا بنا نفاجأ في أحد المجالس عند قيامنا إلى حضرة الذكر برجل يدخل علينا مديد القامة ، شاذلي اللون أسمر..ارتاحت لرؤيته الأرواح وتفاعلت معه وله القلوب ..تعلقت فيه العيون وإشارات الاستفهام تتوارى على الأذهان من يكون هو ؟ فكان الجواب إنه خليفة الشيخ عبد القادر..
دخل حبه قلوبنا دون استئذان وتخلل ذراتنا ..وقف في حضرة الذكر والكل يشاهده لطول قامته..وكأن الله أكرمه بهذا الطول كي يكون الكل تحت أنظاره يرعاهم ويتابعهم..
لاأريد الإطالة فالإجمال أدعى لجمع الأفكار والقلوب أحياناً لذا أوجز مايصعب إيجازه فأقول : وإذا نحن أمام مرشد أنجدنا الله به وأكرمنا كلما جلسنا أمامه ممعنين النظر إليه نظرنا في عينيه فشعرنا أننا ننظر في بحر عميق غوره بعيد ساحله، ونخاله عندما ينظر إلينا أنه يخترق ظواهرنا بسهولة إلى بواطننا..
كنت مرة جالساً أمامه أرقبه عن قرب وإذا بي ألاحظ أن أنفاسه لايكاد يخلو واحد منها من الحضور مع الله سبحانه فقلت في نفسي : كأن الله أكرمنا به من عالم آخر..
ياألله ! إنّه متفانٍ في حب الشرع الشريف والتمسك بالكتاب والسنة..حياته فيهما..ولابد للإناء أن يرشح بما فيه فكانت كتبه التي دونها كلها ذات صلة وثيقة بكلامه تعالى ومستمدة منه ، ومنها : نداء المؤمنين - وصفات المؤمنين - والمنتخبات.. وهكذا يقدم لنا ألواناً مما يفتح الله به عليه إلى أن توّج ذلك بالتفسير المجرد الذي ربما يشير اسمه إلى همة وحال صاحبه من التفريد والتجريد..
هذا عن ماكتبه حفظه تعالى ، ثم ماتكلم به وكتب عنه فهي حكم حقّ لها أن تسمى بالدرر..حكم حوت المعاني الكثيرة في كلمات قليلة كانت مراهم لامست أماكن الجروح فأعادت إليها الشفاء والحياة..
وهكذا بعد الحيرة التي كادت أن توقعنا في اليأس بفقد سيدنا الشيخ عبد القادر أكرمنا تعالى بمن يقوم مقامه خير قيام مما أعاد إلينا آمالنا وأرواحنا وعند ذلك فهمنا قول الرجال(وعند فقد الشيخ يأتي كمثله)..
اللهم اجعلنا خير مريدين لخير مرشد ولاتحرمنا منه يارب العالمين..


التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف