تقييم الموضوع :
  • 1 أصوات - بمعدل 5
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5
قطعة فنية بلاغية
#1
مصطفى نداف:
قطعة فنية بديعة من فنون من البلاغة :
قال تعالى : (واتل عليهم نبأ إبراهيم ، إذ قال لأبيه وقومه ماتعبدون ، قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين ، قال هل يسمعونكم إذ تدعون ، أو ينفعونكم أو يضرون ، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، قال أفرأيتم ماكنتم تعبدون ، أنتم وآباؤكم الأقدمون ، فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين ، وإذا مرضت فهو يشفين ، والذي يميتني ثم يحيين ، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين..)
قطعة فنية في غاية الجمال تتكون من جمل قصار متلاحقة تناسب الموضوع والموقف الذي قيلت فيه ، إلى جانب حسن التنسيق والترتيب بين الأجزاء ، ثم حسن التخلص من موقف إلى آخر وهو فن عجيب يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني..فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى غيره من غير أن يقطع كلامه بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغاً..فقد جاء في هذه الآية من حسن التخلص مايسحر الألباب..
ألا ترى ماأحسن مارتب إبراهيم كلامه مع المشركين حين سألهم أولاً عمايعبدون سؤال مقرر لاسؤال مستفهم ، ثم أنحى على آلهتهم باللائمة فأبطل أمرها بأنها لاتضر ولاتنفع ولاتعي ولاتسمع ، وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسر هذه القاعدة وأخرجها من أن تكون شبهة فضلاً عن تكون حجة. ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لاتجب العبادة إلا له ، ولاينبغي الإنابة والرجوع إلا إليه ، فصور المسألة في نفسه دونهم قائلاً : فإنهم عدوّ لي..على معنى : إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ فاجتنبتها وآثرت عبادة من بيده الخير كله ، وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه لينظروا فيقولوا : مانصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون ذلك أدعى للاستماع والقبول..إذ لو قال : عدوّ لكم لما كان بهذه المثابة ، فتخلص عند تصويره المسألةفي نفسه إلى ذكر الله تعالى فأجرى عليه تلك الصفات العظام..فعظم شأنه وعدد نعمه من لدن خلقه وأنشأه إلى حين يتوفاه مع مايرجى في الآخرة من رحمته ليعلم من ذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة ، واجب على الخلق الخضوع له..ثم تخلص من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه..فدعا الله بدعوات المخلصين ، وابتهل إليه ابتهال الأوابين ، لأن الطالب من مولاه إذا قدم قبل سؤاله الاعتراف بالنعمة كان ذلك أنجح في حصول الإجابة ، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة ومجازاة الله من آمن به واتقاه بالجنة ، ومن ضل عن عبادته بالنار..
فلنتدبر ذلك ونستفد منه في مواقفنا خلال الدعوة إلى الله تعالى..فإن فيه القبول والنجاح بإذنه تعالى..


التنقل السريع :


مستخدمين يتصفحوا هذا الموضوع: 1 ضيف